جلال الدين السيوطي

124

الأشباه والنظائر في النحو

عموم الأوّل ، إذا حصلت به فائدة ، وهو تقرير حكم الخاصّ وتصييره كالإخبار به مرّتين - من أعظم الفوائد ، فيجوز ، فلذلك سلكته هنا ، وفيما تقدّم لم تحصل فائدة فمنعته . وقد استعملت في كلامي هذا : « وكأني بك » لأنّ الناس يستعملونه ولا أدري هل جاء في كلام العرب أم لا ، إلّا أنّ في الحديث : « كأنّي به » « 1 » ، فإن صحّ فهو دليل الجواز . وفي كلام بعض النحاة ما يقتضي منعه ، وقال في قولهم « كأنّك بالدّنيا لم تكن . . . » : إنّ الكاف للخطاب ، والباء زائدة والمعنى : كأنّ الدنيا لم تكن ، ولذلك منعه في : « كأنّي بكذا لم يكن » ، هكذا على خاطري في كتاب القصريّات عن أبي عليّ الفارسي . وكان صاحبنا أحمد بن الطاراتي رحمه اللّه شابّ نشأ وبرع في النحو ، ضرير ، مات في حداثته ، أوقفني في مجاميع له على كلام جمعه في : « كأنّك بالدّنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل » لا يحضرني الآن ، وفيه طول . وأمّا استدلال الشيخ جمال الدين بعطف ( جبريل ) فصحيح في عطف الخاصّ على العامّ إن كان العطف على ( ملائكته ) ، لأنّه من جملة الملائكة ، وكذا إن عطف على الرّسل ولم يقصد بهم البشر وحدهم . وأمّا منازعة الولد له : إذا حمل الرسل على البشر أو عطف على الجلالة الكريمة ، فالتّمسّك بحمل الرّسل على البشر إن صحّ لك يوجب العطف على الملائكة ، وهو منهم قطعا فحصل عطف الخاص على العامّ ، والعطف على الجلالة مع كونه عطفا على الأوّل دون ما بعده هو غير منقول في كلام النحاة ، ومع ذلك هو مذكور بعد ذكر الملائكة الذين هو منهم قطعا ، وبعد الرسل الذين هو منهم ظاهرا ، وذلك يوجب صحّة عطف الخاصّ على العامّ وإن قدّرت العطف على الجلالة ، لأنّا لا نعني بعطف الخاصّ على العامّ إلّا أنّه مذكور بعده ، والنظر في كونه يقتضي تخصيصه أولا . وأمّا قولك : ولأيّ شيء يمتنع العطف ب « لا » في نحو « ما قام إلّا زيد لا عمرو » - وهو عطف على موجب - فلما تقدّم أنّ « لا » عطف بها ما اقتضى مفهوم الخطاب نفيه ليدلّ عليه صريحا ، وتأكيدا للمفهوم ، والمنطوق في الأول الثّبوت ، والمستثنى عكس ذلك ، لأنّ الثبوت فيه بالمفهوم لا بالمنطوق .

--> ( 1 ) هذه قطعة من حديث ذكره البخاري في صحيحه ( 2 / 579 ) الحديث ( 1518 ) ، « عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : كأنّي به أسود أفحج يقلعها حجرا حجرا » .